محمد أبو زهرة
1304
زهرة التفاسير
قلوبهم ، وسيطرة الغرض على نفوسهم ، وطمس العصبية لإدراكهم - لا يمكن أن يتحقق منهم إيمان وإخلاص صادق فلا يهديهم اللّه ، فالنفى الذي اشتمل عليه الاستفهام هو النفي مع هذه الحال ؛ ولذا كانت صيغة الاستفهام بلفظ كيف التي يستفهم بها عن الحال ، ويكون النفي فيها أيضا مقيدا بهذه الحال التي هم عليها . وحالهم التي أوجبت هذا النفي مكونة من عناصر أربعة : إيمان في الابتداء ، وشهادة بأن الرسول حق ، وكون البينات قد جاءتهم موضحة لهذا الحق ، ثم بعد ذلك يكفرون ، فلو كان حالهم حال ضلال عن غير علم لأنار اللّه أبصارهم ، ولو كانوا مخلصين جهلوا الحقيقة وطلبوها لكانت هداية اللّه لهم ثابتة ، ولكنهم غير ذلك ، فهم قد كانوا مؤمنين ، ويشهدون بالحق ، وذلك عن بينة وعن أدلة يقينية ملزمة ، ومع ذلك استولى عليهم التعصب بالباطل ، فكان العمى الذي أرادوه ، فلا هداية إلى الحق من بعد ، وذلك لأن اللّه تعالى يهدى إلى الحق من أخلص وطلبه ، فإن الإخلاص يقذف في القلب بالنور فيكون الإشراق الروحي ، وتكون الهداية الربانية ، أما من قصد إلى الباطل ، ولم يخلص وعكرت بصيرته بالهوى ، فإنه يكون محروما من هداية اللّه ، حتى يغير من حاله بأن يتوب عن غيه ، ويخلص وينيب . والآية عامة لا ريب في ذلك ، فهي تبين من يحرمه اللّه من هدايته ، وهو الذي لا يذعن للحق إلا إذا كان متفقا مع غرضه ، وهو من الذين قال اللّه تعالى فيهم وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( 49 ) [ النور ] . ولكن المفسرين يذكرون لهذه الآية سببا للنزول ، فيروى النسائي عن ابن عباس أنه قال : كان رجل من الأنصار أسلم ، ثم ارتد ثم ندم ، فأرسل إلى قومه يطلب إليهم أن يسألوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم : هل من توبة ؟ فنزلت الآية « 1 » . وروى عن
--> ( 1 ) رواه النسائي : تحريم الدم - توبة المرتد ( 4000 ) ، وأحمد : مسند بني هاشم ( 2108 ) .